غانم قدوري الحمد

25

محاضرات في علوم القرآن

وها هو زيد بن ثابت كاتب الوحي يقول : « إني لقاعد إلى جنب النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ أوحي إليه ، وغشيته السكينة ، فوضع فخذه على فخذي ، قال زيد ، فلا واللّه ما وجدت شيئا قطّ أثقل منها » وفي رواية : « فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي » « 1 » . وكان مما لاحظه الصحابة عند نزول الوحي ما رواه عدد من المحدّثين عن عمر بن الخطاب أنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل » « 2 » . إن المتأمل لحالة نزول الوحي في جانبيها الغيبي الذي وضّحه النبي صلى اللّه عليه وسلم والمحسوس الذي وصفه الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، يدرك أنها أبعد ما تكون عن حالة السبات الطبيعي الذي يعتري المرء في وقت حاجته إلى النوم ، فإنها كانت تعرو النبي صلى اللّه عليه وسلم قائما أو قاعدا أو سائرا أو راكبا ، بكرة أو عشيا ، وكانت تعروه فجأة وتنقضي في لحظات يسيرة ، لا بالتدريج الذي يعرض للوسنان الذي يغفو ويغرق في النوم ، كما أنها حالة تباين كليا تلك الأعراض المرضية والنوبات العصبية التي تصفرّ فيها الوجوه ، وتبرد الأطراف ، وتصطكّ الأسنان ، وتتكشف العورات ، ويحتجب نور العقل ، لأنها حالة تتسم بالجلال والوقار ، وهي مبعث نور لا ظلمة ، ومصدر علم لا جهالة « 3 » .

--> ابن عمرو : « أنزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة المائدة ، وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها » قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 7 / 13 ) : « رواه أحمد ، وفيه ابن لهيعة ، والأكثر على ضعفه ، وقد يحسّن حديثه وبقية رجاله ثقات » وينظر : الساعاتي : الفتح الرباني 18 / 125 . ( 1 ) ابن حجر : فتح الباري 8 / 259 - 260 . ( 2 ) عبد الرزاق : المصنف 3 / 383 ، والترمذي : كتاب السنن 5 / 305 ، والبيهقي : دلائل النبوة 7 / 55 . ( 3 ) ينظر : محمد عبد اللّه دراز : النبأ العظيم ص 70 وما بعدها .